أخر المستجدات
الصحابي الجليل ابو لبابة الانصاري الاوسي بمدينة قابس

الصحابي الجليل ابو لبابة الانصاري الاوسي بمدينة قابس

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على اشرف المرسلين

وبعد

نواصل التعريف بابناء الانصار في مختلف انحاء المعمورة واليوم نحط الرحال بتونس الخضراء عند الصحابي الجليل ابو لبابة الانصاري الاوسي بمدينة قابس والذي كان لي تواصل مع بعض احفاده من مدينة المنستير اليكم ترجمته منقولة من منتديات تونيزيا سات

أبولبابة الأنصاري صحابي ببلاد إفريقية

1 ـ نسبه

أبولبابة، وباتفاق الرواة، هو بشير بن عبد المنذر بن رفاعة بن زبير، وقيل زنبر وقيل زر، بن مالك بن عوف بن عمر وبن عوف بن مالك بن الأوس بن الخزرج الأكبر بن حارثة بن ثعلبة بن مزيقا بن ماء السماء (1) وهو من القحطانيين ساكني المدينة المنورة، يثرب، القادمين من اليمن قبل الاسلام

أمه نسيبة بنت زيد بن ضبيعة كني باسم ابنته لبابة وعرف بها في المشرق والمغرب، وهي التي أنجبها من زوجته الأولى نسيبة بنت فضالة بن النعمان بن قيس وسنرى لبابة في ما بعد زوجة ليزيد بن الخطاب، الأخ الأكبر لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أما زوجته الثانية، خنساء بنت جذام الأنصارية، فقد خلفت له ابنه السائب ويذكرها باحث آخر باسم زينب بنت خذام بن ثعلبة بن زيد بن عبيد بن أمية بن زيد (2)

كان من وجهاء المدينة ومن شجعانها وكبار تجارها المعروفين بتعاملهم مع يهود بني قريظة. وهي العلاقة التي سيكون لها تأثير كبير بعد ذلك في مجرى حياته

2 ـ اسلامه

أسلم أبولبابة، رضي الله تعالى عنه، وهو في عنفوان شبابه، ليلة العقبة بمكة المكرمة على يد مصعب بن عمير، قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم كان في استقباله بالمدينة، في ما بعد، لما جاءها مع بقية المهاجرين. وهو أحد النقباء الذين سماهم النبي في تلك الليلة.

3 ـ مناقبه الدينية

شهد الصحابي أبولبابة عديد الغزوات والوقائع الشهيرة مع الرسول الكريم مثل غزوة أحد وغزوة الفتح الأكبر سنة 8 هجري، أي فتح مكة، وكان خلالها يحمل لواء قومه بني عمرو بن عوف كان أبو لبابة مقربا من الرسول ملازما له، فأوكل إليه عديد المهام الصعبة وهو يعد من رواة الحديث إذ نقل عنه والداه السائب وعبد الرحمان، وعبد الله بن عمر وابنه سالم وغيرهم عدّة أحاديث نبوية مثل حديث قتل الحيات والنهي عنه، وحديث الاستسقاء والخوف من المطر على التمر الموجود في المربد، وحديث وظائف الذكر والتعوذ، حديث فضل يوم الجمعة، حديث التغني بالقرآن الكريم، وحديث ساعة الاستجابة وغيرها (3)

شارك أبولبابة بحرص وحماسة في نشر الاسلام وتبليغه الى مختلف البلدان والأمصار خارج الجزيرة العربية وبغاية ذلك انضم الى جيش الزحف الذي كونه خالد بن الوليد مثل العديد من الصحابة الكرام، وتوجه معه الى العراق والشام وفلسطين ومصر كما توجه الى محاربة المرتدين باليمامة ومقاتلة مسيلمة وجيشه ثم كان مجيئه الى تونس بلاد افريقية، بعد ذلك

4 ـ مناقبه الاجتماعية

كان أبولبابة من وجهاء قومه، ثريا، يشتغل بالتجارة، وحائزا على عديد المناقب الاجتماعية المميزة فإلى جانب شجاعته وقوة شخصيته التي تؤكدها مشاركته في الحروب والغزوات، كان محل ثقة واحترام وذا مكانة في قومه وعند الكثيرين غيرهم. وللتدليل على ذلك نورد حدثين بارزين يحملان عديد الضمنيات والمعاني، يتمثل الأول في استخلاف الرسول صلى اللّه عليه وسلم لأبي لبابة على المدينة في غزوة بدر، إذ يذكر المؤرخون في هذا الصد أن أبا لبابة قد لبى الدعوة بالمشاركة في هذه الغزوة (وكان في الطريق يتعاقب ركوب بعير الرسول مع علي ابن أبي طالب) ولما بلغوا مكانا يدعى الروحاء أمره الرسول بالعودة الى المدينة والسهر على تسيير شؤونها وضرب له بسهم وأجر فعد من البدريين، وما ذلك إلا دليل على مكانته عند الرسول الذي اقتنع بكفاءة أبي لبابة الثابتة وبمواصفاته القيادية الجديدة والمطمئنة على مصير المدينة ومصير سكانها. بل إن نفس التكليف جرى معه أيضا في غزوتي قينقاع والسويق سنة اثنتين للهجرة

أما الحدث الثاني الذي نسوقه فيتمثل في أن يهود بني قريظة خانوا عهدهم، سنة 5 هجري، ونقضوا اتفاقهم مع المسلمين، اذ ساعدوا المشركين وحرضوهم رغم اتفاق الصلح المعقود بينهم وبين المسلمين الذين حاصروهم بسبب ذلك لمدة خمس وعشرين ليلة، وتمسك الرسول الكريم بتطبيق حكم الله عليهم رغم المفاوضات التي قاموا بها عن طريق واحد منهم قيل إنه يدعى شاش بن قيس طلب خلالها الاذن لهم بمغادرة المدينة نحو فلسطين مثلما حدث مع من سبقهم من يهود بني النظير الذين تدخل الخزرج لفائدتهم عند المسلمين. ولما كان أبو لبابة وقومه الأوس على علاقة متينة ببني قريظة، كما ذكرنا، قوامها التجارة والمصالح الاقتصادية المشتركة، فقد طلبوا استشارته إن كان الأجدر بهم قبول حكم الرسول فيهم بدل مواصلة التعنت والتصعيد. ويقال إن أبا لبابة أشار عندها بيده الى رقبته، أي أن الحكم الذي ينتظرهم هو القتل إن هم قبلوا ورضخوا. وقد سجل أحد الشعراء هذه الحادثة بقوله (4)

تولى الضر عبئا بعد عبء *** فهد قواهم العبء الثقيل

فقاموا يصرخون ألا دواء *** فقد أشفى على الموت العليل

لعل أبا لبابة اذ ظرفنا *** بمقدمه لعثرتنا مقيل

لكم منا السلاح إذا أردتم *** وتنطلق الركائب والحمول

وعاد فراجعون على اضطرار *** وهان عليهم المال الجزيل

إليك أبا لبابة ما منعنا*** وشر المال ما منع البخيل

خذوه مع السلاح وأطلقونا *** فحسب محمد منا الرحيل

فقال دماؤكم لا بد منها *** وذلك حكمه فمتى القبول

واثر ذلك تفطن أبو لبابة الى أن ما قام به هو نوع من الوشاية التي ما كان له أن يقترفها، وهيأ له أنه قد أتى بذلك ذنبا عظيما، فندم أيما ندم.

وبعد أن نزلت في شأنه آية الأنفال الكريمة (27): «يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا اللّه والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون»، قرر أبو لبابة معاقبة نفسه تكفيرا عما اقترفه، وربط نفسه على سارية بزاوية المسجد وأقسم أن لا يبرح مكانه حتى يغفر الله له. وفاز أبو لبابة بما أراد اذ نزلت فيه آية التوبة (102) القائلة: «وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى اللّه أن يتوب عليهم، إن اللّه غفور رحيم»، وجاء الرسول بنفسه ليؤكد له البشرى وليحل وثاقه. وهذه السارية لازالت الي الآن بالمدينة المنورة وتسمى بسارية أبي لبابة أو سارية التوبة

والتزاما بمواصلة التكفير عن ذنبه وإمعانا في التوبة أعلن أبو لبابة بين يدي الرسول صلى اللّه عليه وسلم هجر بني قومه والتصدق بكل أمواله ونذر نفسه للجهاد في سبيل اللّه، فقال له رسول اللّه يجزيك يا أبا لبابة الثلث، أي تصدق بثلث مالك فقط وابق الثلثين لأهلك (5)

وهكذا واصل أبو لبابة الجهاد كما ذكرنا في حياة الرسول وبعده منتقلا من بلدان المشرق الى أرض افريقية ايفاء بنذره والتزاما بما تعهد به سابقا

5 ـ وفاته

المؤكد أن أبا لبابة لم يعر شأنا للخلافات التي شقت صف المسلمين بعد وفاة الرسول خاصة تلك التي حدثت بين علي ومعاوية ولم يأبه لها أو يشارك فيها لا قولا ولا فعلا بل هو انقطع للجهاد واعلاء كلمة لا إلاه إلا اللّه محمد رسول الله، الى أن وصل به المطاف الى تونس، أرض افريقية، التي جاءها في خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وتوفي بها في عهد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، سنة 40 للهجرة وقيل عاش الى ما بعد ذلك بعشر سنوات (6)، وكان يبلغ من العمر آنذاك بين 75 و80 سنة تقريبا. وقد وافته المنية مريضا بمنطقة وادي الغيران بأحواز مدينة قابس الكائنة بالجنوب التونسي ومن هنالك نقل جثمانه الطاهر الى هذه المدينة حيث دفن على ربوة محاذية لواحة قابس الغناء وتشرف حاليا على عديد الأحياء السكنية. ثم ما لبث قبره أن تحول الى مزار يقصده الناس من كل حدث وصوب تبركا به وسعيا للفوز بما له، رضي الله تعالى عنه، كصحابي من مكرمة عند الله وعند رسوله، وذلك وعيا بمعاني الحديث الشريف القائل «أيما رجل من أصحابي مات ببلدة فهو قائدهم وشفيعهم يوم القيامة» وبقوله أيضا «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»

وأصبح مقامه اليوم، بعد أن رمم وأعيد بناؤه عديد المرات في العهد المرادي الغابر وفي بداية الاستقلال ثم في العهد الجديد، أصبح مركبا دينيا ثقافيا متكاملا يحتوي عديد البناءات والأجنحة مثل الروضة والمزار والمتحف الذي أخذ في السنوات الأخيرة مكان المدرسة المرادية المعروفة التي ألحقت به منذ القديم هذا بالطبع اضافة الى الجامع الذي صار يتسع لأكثر من ألفين من المصلين دون احتساب طاقة استيعاب صحنه الفسيح كما دأب أهل قابس على دفن موتاهم بجواره في مقبرة كبيرة، وعلى تنظيم سهرات الذكر النبوي والمدائح الصوفية واقامة الحفلات الدينية في هذا المقام

وسنة 1967 أقيم المهرجان الديني الأول بمقام أبي لبابة، وتواصل بانتظام الى أن قامت دوراته الأربعين وأصبح مهرجانا دوليا منذ سنة 1999، يأتيه الناس وتقصده الفرق من داخل تونس وخارجها وخاصة من البلدان المغاربية، وخلال هذا المهرجان تنظم مسابقات حفظ القرآن الكريم وتجويده وترتيله، على المستويين المحلي والدولي، بين الأطفال والشبان والكهول. كما يجري التنافس بين الفرق الصوفية للمدائح والأذكار والانشاد القادمة من مختلف البلدان والجهات أيضا، والتي بلغ عددها في المهرجان الأخير ثلاثا وثلاثين فرقة. ورصدت لذلك الجوائز الرئاسية القيمة

لقد أصبح مهرجان أبي لبابة اليوم حدثا دينيا وثقافيا بارزا ينتظره الناس، كل رمضان، بشوق كبير ويؤمونه بأعداد غفيرة جدا وكثيرا ما قام بينهم الزحام والتدافع للتمكن من متابعة العروض والمسابقات أو للفوز بمكان داخل الجامع عند صلاة القيام. وقديما صور الشاعر أبو العباس البرنسي الشفشاوني زيارة مقام الصحابي الجليل أبي لبابة الأنصاري بكثير من الغبطة والانشراح عندما قال (7)

نزلنا بقابس فشفينا فيه ***غليل القلب من شوق أصابه

وزرنا فيه ضريح إمام بر*** وبحر من السخاء أبي لبابة

هو البحر المعين لوارديه *** فرد ما شئت من بحر الصحابة

وأيقنا بنيل القصد حقا *** وصدقنا بالاسراع الاجابة

6 ـ خاتمة: عبر من حياة أبي لبابة

إن المتأمل في حياة الصحابي الجليل أبي لبابة الأنصاري تسترعي انتباهه هذه الحركية الكبرى، في سبيل الله ونصرة لدينه، بين أرجاء عدة من العالم الاسلامي مما أضفى عليها، أي حياته التشويق والاثارة وزاد من ابراز رسوخ الايمان وصدق العقيدة لديه، وهو الذي لم يدخر جهدا ولا مالا، الى آخر يوم في حياته، من أجل نشر الدين الحنيف وشد أزر رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، في كل فرصة ومناسبة

وذاك دليل على حسن علاقة أصحاب رسول الله برعياهم مهما كانت عقيدتهم وآراؤهم وتأكيد على حلمهم ومقدرتهم. كما في حياة أبي لبابة أمثلة أخرى عن التواضع والاعتراف بالخطأ والاجتهاد في اصلاحه والتعهد بالتزام الصدق والاستقامة

تلك أخلاق المسلم الحقيقي التي نحن في أشد الحاجة إليها اليوم، وهي التي حببت الناس من جميع أصقاع العالم في الاسلام. فأقبلوا عليه معتزين مفتخرين، محبة في الله ورسوله وأملا في الفوز بجنانه وليس بالمناصب والعطايا

المراجع:

1 ـ نقلا عن نشرية المهرجان الدولي لسيدي أبي لبابة الأنصاري، أكتوبر 2006، ص3

2 ـ بلقاسم بن محمد بن جراد، قابس عبر التاريخ، تونس 2001، ص 131

3 ـ نشرية المهرجان ص 8

4 ـ قابس عبر التاريخ ص 134

5 ـ محمد المرزوقي، قابس جنة الدنيا، القاهرة 1962، ص 240

6 ـ نفس المرجع السابق

7 ـ نفس المرجع السابق، ص 245

الصور ( الصور الاولى والثانية لمجمع و او جامع ابو لبابة الانصاري رضي الله عنه الصورة و الثالثة زيارة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي للضريح الصحابي الجليل ابو لبابة الانصاري رضي الله عنه وقراءة الفاتحة على روحه الطاهرة بتاريخ 24-10-2014 مصحوبا بوفد عن قائمة نداء تونس و الرابعة للمرشح الرئاسي محمد فريحة اثناء قراته الفاتحة والترحم على الصحابي الجليل ابو لبابة الانصاري رضي الله عنه بتاريخ 10-11-2014)

اخوكم ومحبكم ابو جاسم محمد عندالله الانصاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*