أخبار عاجلة

محاظر أهل التاقاطي الانصارية ملاذ العلماء وطالبي العلم وواحة الجامعات العلمية المتنوعة

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على اشرف المرسلين
وبعد

“المحاظر” الموريتانية .. مؤسسات تعليمية نشرت العلم في ربوع الصحراء

تقرير: التار ولد أحمده

لئن كانت القاعدة التي أسس لها “ابن خلدون” تقول إن الحضارة و التعلم مرتبطان بالتمدن و التحضر، وإن الجهل و التخلف مرتبطان بالبادية و الترحال  فإن ” المحظرة”  الشنقيطية  شكلت استثناءً صارخا لهذه القاعدة.

فقد مثلت” المحاظر” الموريتانية مؤسسات تعليمية مفتوحة، ظلت تنشر المعارف العربية والإسلامية بمختلف فنونها في ربوع الصحراء، وكانت وعاءً حافظا لعلوم الشريعة، والثقافة العربية في أرض الملثمين، ومرتعا للنهل من معين لا ينضب من شتي صنوف المعارف .

يعتقد بعض الباحثين أن بداية وجود هذه “المحاظر” كانت مع دخول الإسلام إلي بلاد شنقيط منتصف القرن الثامن الميلادي (الثاني الهجري) إلا أن أصلب الروايات ترى أن تأسيس ” المحاظر” كان مع بداية تشكل دولة “المرابطون” حيث يرى هؤلاء أن الأمير اللمتوني “أبا بكر بن عمر” بعد انفصاله عن “ابن تاشفين” بالمغرب وعودته إلى الصحراء اصطحب معه فقهاء قاموا بتأسيس مدارس دينية كانت هي نواة تشكُل مؤسسة ” المحظرة” الشنقيطية.

كما هو الحال في الصحراء فالحرية المطلقة – في حدود الشرع – هي القانون السائد هنا، وأهم ما يميز “المحظرة” الموريتانية هو الحرية المطلقة لطلابها، فللطالب الحق في اختيار ما يريد أن يدرسه، و علي أي شيخ سيدرس، و المدة الزمنية التي سيخصصها لدراسته .

كما تتميز “المحظرة”  بتطبيق المساواة التامة بين طلابها، فمن أبطأه اجتهاده في التحصيل لم يسرع به نسبه.

والفوارق الاجتماعية ذائبة تماما في ” المحظرة” الموريتانية، وإنما الرغبة والاستعداد والجدية والاجتهاد هم محددات النبوغ في التحصيل، كما أن الفوارق العمرية لا وجود لها البتة هنا، فتجد الشاب الطري يتولى تدريس الشيخ المسن، وتجد الطاعن في السن يُباري الفتي المراهق، كما أن المستوى المادي لأي طالب هو في آخر سُلم الاهتمامات هنا.

كما تتميز “المحظرة الموريتانية” بمجانيتها فلا يطلب من الطالب الراغب في الالتحاق بهذه “المحاظر” أي تعويض من أي نوع و إنما تتكفل “المحظرة”  وشيخها بتكاليف إقامته و معيشته، والشرط الوحيد لولوج هذه “المحاظر” هو الالتزام الديني، كما أن علي الطالب أن يتوفر علي الإرادة الحقيقية، والصبر والتجلد.

أدوات الدراسة فى هذه “المحاظر” هي أدوات بسيطة أصيلة، تشهد علي عبقرية الإنسان الصحراوي، وتتجسد هذه الأدوات  في لوح خشبي، ومحبرة، وقلم سيال، وحبرمصنوع من مشتقات محلية  .

فاللوح هو بمثابة الدفتر، حيث تُكتب فيه الدروس المُراد حفظها، وعند حفظها التام  يتم غسلها بالماء وتجفيف اللوح لكتابة دروس جديدة، مع العلم أنه عادة ما يكون عدد الدروس المكتوبة في اللوح 4 دروس، في كل يوم يُكتب درس جديد بعد أن يُمسح أقدم الدروس ليحل الدرس الجديد مكانه وهكذا دواليك، و يُستخدم كلا وجهي اللوح لكتابة الدروس، و لماء غسل اللوح مكانة كبيرة في نفوس الطلاب و يجب أن يُسكب في أماكن طاهرة لأنه – في نظرهم- عبارة عن آيات قرآنية، كما أنه لا يجوز تخطي اللوح أو الجلوس عليه، ويعامل معاملة المصحف من حيث القدسية.

أما المحبرة (الدواية أو السمغة) فهي دواة  للكتابة على الألواح وتكون عادة من الحجر، وليس لها شكل محدد، غير أن أغلب أشكالها هي المستديرة والمستطيلة.

تتم صناعة القلم السيال-الذي تتم الكتابة به على الألواح-من فروع شجر يعرف بالسبط بعد أن يُبرى بطريقة معينة .

وقد جهر العلماء الموريتانيون بافتنانهم بالأسلوب “المحظري” واعتزازهم بـ”المحظرة” الموريتانية، فقال العلامة  المختار ولد بون :

و نحن ركبُ من الأشراف منتظمُ            أجل ذا العصر قدرا دونَ أدنانا

قد اتخذنا من ظهور العيس مدرسة        بــــها نبينُ دينَ الله تبيانا .

ولعل من ابرزها محاضر اهل التاقاطي الانصارية بكيفه

محاظر أهل التاقاطي بكيفه .. قلاع علم عتيدة خلف الأضواء !؟

وكالة كيفة للأنباء

في قرية الشفاء2 الواقعة على بعد 62 كم شرق مدينة كيفه، على طريق الأمل، يوجد حي أهل التاقاطي بمساجده ومحاظره وعلمائه وطلبته، ويشكل معلما سامقا من معالم القرية. وقد استقر أصحاب هذا الحي في أوائل التسعينات بعدما كانوا رحلا ينتجعون المراعي في منطقة أفل.

ينتسب أبناء التاقاطي لوالدهم الملقب بهذا الإسم، وهو حسب الروايات التاريخية التي يرويها أحفاده عالم جليل تلقى العلم في ضواحي مدينة مكطع لحجار التي حاز منها على الإجازة بالفتوى برسالة ابن أبي زيد القيرواني منذ القرن 7 هـ، وقد تشبع هذا العلم الجليل من مختلف العلوم الشرعية من أصول وفقه وعلم آلات، ليهاجر بعد ذلك طالبا ومدرسا لعلوم القرآن، وتستقر به الحال في منطقة أفل القريبة من تامشكط حيث كانت تلك المرابع مناطق انتجاع ، يتنقل بينها رفقة تلاميذته.

وقد اشتهر حي اهل التاقاطي عبر العصور بكثرة حفظة القرآن، حتى صارت تضرب بهم الأمثال (ما أهون الحفاظ في اهل التاكاطي) أي أن إتقان كتاب الله قراءة وتجويدا مسألة معتادة، فهو ديدنهم يشب عليه غلمانهم.فكثرت محاظرهم حتى لا تكاد تجد موضعا في أفل إلا وفيه أحواش لطلابهم.

واشتهر من بعد جدهم عدة علماء أجلاء نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: ميمين، سيد محمد ولد أهل الدده، محمد ولد اجوه، محمد فال ولد القاسم، و الصغير ولد أهل احمد وسيد بكر.. وغيرهم، ممن اشتهروا بالورع والتقوى والولاية، وأسسوا محاظر عملاقة درس فيها الأجانب من أفارقة وآسيويين وغيرهم، فمن الروايات التي يتناقلها الأجيال أن قافلة مرت بمنطقة أفل ليلا ولم تجد ما تشعل به النار، فتذكر أحدهم أنه في مكان غير بعيد كانت توجد محظرة لأهل التاقاطي ، فذهب إلى مكانه ، وحرك الرماد فوجد شهابا لا يزال متقدا منذ أشهر مما يدل على كثرة الحطب الذي يجمعه الطلاب ليتعلموا.

كما يروى أن خيمة شيخهم لا تحمل على الدواب بل إن كل طالب يأخذ منها جزء ويحملونها حيث أراد الشيخ النزول ، دون أن يلجأوا لطيها..وذلك لكثرة ما يتوافد عليه ، كما أن بعض الطلاب يحمل الأمتعة ، وبعضهم يسوق الماشية ….

غير أن حياة الترحال التي عاشها هؤلاء بين منطقة آوكار وأفل، وندرة التدوين في ذلك العصر لم تترك لنا من آثارهم إلا النزر القليل. فكانوا جامعة متنقلة يصدق فيها قول المختار بن بونه: ونحن ركب من الأشراف منتظم أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا

قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة بها نبين دين الله تبيانـــــــــــا

مع ذلك لا زال التاقاطيون يحتفظون بمكتبات تحوي مخطوطات نادرة عمرت قرونا من الزمن بينها مصحف سطر بيمين طالب زنجي من النيجر (أنظر الصور).

ظل أسلوب التدريس تقيلديا بمحاظر أهل التاقاطي : قلم عيدان ودواة والجديد فقط هو اقتناء الطلاب لمصابيح (ظوايه) بدل الأخشاب.

ولم يعد شيوخ المحاظر في هذا الحي يطلبون مؤونة من طالب علم وكان الشيخ يتقاسم معهم قوت عياله رغم كونهم بالعشرات.

وقد شهد هذا الحي أول استقراره في منطقة “المتنكزيه” بأفل حيث أقام محمد عبد الوهاب الذي تخرج على يدي محمد فال ولد القاسم محظرته التي كانت معلما ثقافيا يفد إليه الطلاب من كل نواحي الوطن، واشتهرت محظرته من بين ثلاث محاظر في المنطقة هي محظرة أهل احمد الخيار ، ومحظرة أهل الطالب ولد اعل ومحظرة اهل التاكاطي.

وقد استوطن حي من أهل التاقاطي قرية الشفاء مع أوائل التسعينات (1995) حاملين معهم مشعل العلم والتعليم، فأسسوا مدينتهم فبنوا المسجد وأقاموا محاظر يتوافد عليها طلبة العلم، حيث كان يقوم بتدريسهم الشيخ محمد فال ولد القاسم الذي اشتهر بالصلاح وغزارة العلم، وشهد له بذلك من عاصروه من أمثال بداه ولد البوصيري، وغيرهم فكان محجا وقبلة لمن يريد التبحر في العلوم الشرعية، وبعد وفاته أسندت المحظرة الرئيسية لابنه محمد محمود ولد محمد فال ولد القاسم، ولا زال يدرس فيها حتى اليوم. و لكثرة الطلاب فقد تفرعت عن المحاظر الرئيسية محاظر أخرى حتى بلغت 11 محظرة في حيهم بالإضافة إلى المحظرة الأم في ” المدكنزيه ” التابعة لمقاطعة تامشكط.

وكالة كيفه للأنباء زارت هذه المحاظر التي كان تدرس بإحداها سيدة تحفظ القرآن شأنها في

ذلك شأن عشرات التقاطيات:

1- محظرة محمد محمود ولد سيد بكر

2- محظرة محمد محمود ولد محمد فال (الهدى)

3- محظرة عبد السلام ولد سيد محمد

4- محظرة محمد شعيب ولد محمدفال

5- محظرة محمد ولد المداح

6- محظرة محمد الامين ولد اجوه

7- محظرة لمرابط ولد احمد

8- محمد محمود ولد سيد محمد

9- سيدات ولد اجوه

10- محظرة محمد الامين ولد عبد الرحمن

11- محظرة آمنة بنت أحمد ذ

12- والمحظرة الرئسية (بجامع التوحيد)

لم يشتهر عن أهل التاقاطي شغفهم بحب الظهور حتى أنهم لم يسجلوا هذه القلاع العلمية الصامدة لدى أي من المصالح المختصة لأنهم اعتادوا على أن الموضوع يتعلق بواجبهم نحو ربهم ونحو ابنائهم ؛ لا يريدون منه غاية دنيوية ، ولم يكونوا إلى عهد قريب ممن يدرسون أبناءهم في المدارس العصرية، بل كان التعليم المحظري شغلهم الشاغل، ولا زالت أمنية شبابهم وأطفالهم ممن التقيناهم أن يتعلموا كتاب الله رواية ودراية ويدرسوه، رغم أن بعضهم قد شارك في امتحانات نظامية وحاز على درجات مشرفة مكنته من الاستفادة من منح دراسية في الخارج في مجلات كلها علمية.

ولم يعرف عنهم اندماجهم في الحياة العصرية، ولا الوظائف بل كان بعض رجالهم يمارسون التجارة في إفريقيا، أو التنمية في منطقة أفل، وهم حتى الآن لا يرغبون في انتقاء أجهزة التلفاز و لا المذياع ، وحسب المرء منهم أن يعلم أبناءه القرآن الكريم، وكانت وصاياهم لأولادهم أن ابتعدوا عن الرياء و حب الظهور.

ورغم كل هذا الإنطواء على الذات والبعد من العصرنة فإنهم ظلوا وسطيين ومنفتحين ولم يعرف عن شبابهم أي ميل للتطرف أو الغلو أو استغلال للدين في السياسة .

لقد ظلت محاظر أهل التاقاطي قلاع علمية عتيدة وصامدة أمام عاديات الزمن وجسامة التحديات ذلك أنها لم ترتبط بأي غاية مادية أو تنشد منفعة أو جزاء أو شكرا من أحد، الشيء الذي مكنها من البقاء لأنها بنيت على إيمان راسخ بضرورة القيام بالواجب مهما كلف ذلك بصدق عميق نابع من صفاء الروح للخالق عز وجل والتعلق بما يده والشغف العارم باقتناص كل خلق رفيع وكل فضيلة.

لذلك ظلت جامعاتهم العلمية بعيدة ، متوارية خلف الأضواء فهل من مسلط للأضواء على هذه القلاع العلمية ليفيد ويستفيد ؟

فهل يأتي اليوم الذي تكتشف فيه الدولة الموريتانية هذه المعادن النادرة والجواهر الثمينة المدفونة في مضارب هدا الحي المثير للاهتمام بكل المقاييس؟

إعداد : الداه ولد شيخنا

بتصرف

وكالة كيفه للأنباء – AKI
2015-12-02 17:40:00

شاهد أيضاً

السادة الأنصار صفوة الأخيار

#سؤال_طرح / شنو أغرب اسم عائلى اسمعته ؟ #التعليق : هكذا كان هو السؤال . …

اترك تعليقاً